الصالحي الشامي
476
سبل الهدى والرشاد
وأما قصة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفا ، وليس في قصة يونس نص على ذنب ، وإنما فيها : أبق وذهب مغاضبا وقد تكلمنا عليه . وقيل : إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب . وقيل : بل لما وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال : والله لا ألقاهم بوجه كذاب أبدا . وقيل : بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك . . . وقيل : ضعف عن حمل أعباء الرسالة . وقد يقدم الكلام أنه لم يكذبهم . وهذا كله ليس فيه نص على معصية إلا على قول مرغوب عنه . وقوله : ( إذ أبق إلى الفلك المشحون ) [ الصافات 14 ] - قال المفسرون تباعد . وأما قوله : ( إني كنت من الظالمين ) [ الأنبياء 87 ] ، فالظلم وضع الشئ في غير موضعه ، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه ، فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه ، أو لضعفه عما حمله ، أو لدعائه بالعذاب على قومه . وقد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ . وقال الواسطي في معناه : نزه ربه عن الظلم ، وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا . ومثل هذا قول آدم وحواء : ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) [ الأعراف 23 ] ، إذ كانا السبب في وضعهما غير الموضع الذي أنزلا فيه ، وإخراجهما من الجنة ، وإنزالهما إلى الأرض . وأما قصة داود عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ، ونقله بعض المفسرين . ولم ينص الله على شئ من ذلك ، ولا ورد في حديث صحيح . والذي نص الله عليه قوله : ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب . فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص 24 ، 25 ] . وقوله فيه : ( أواب ) . فمعنى فتناه : اختبرناه . وأواب : قال قتادة : مطيع . وهذا التفسير أولى . وقال ابن عباس ، وابن مسعود : ما زاد داود على أن قال للرجل : انزل لي عن امرأتك وأكفلنيها ، فعاتبه الله على ذلك ، ونبهه عليه ، وأنكر عليه شغله بالدنيا ، وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من آمره . وقيل : خطبها على خطبته . وقيل : بل أحب بقلبه أن يستشهد .